سيد محمد طنطاوي
65
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فيها بأن تغسلوا وجوهكم وتغسلوا أيديكم إلى المرافق ، وتمسحوا برؤوسكم . وتغسلوا أرجلكم إلى الكعبين ، هذا إذا كنتم محدثين حدثا أصغر وأردتم الصلاة أما إذا كنتم محدثين حدثا أكبر ، بأن كنتم جنبا بسبب خروج منى أو التقاء ختانين وأردتم الدخول في الصلاة فعليكم في هذه الحالة أن تتطهروا . أي : تغسلوا بالماء جميع بدنكم . لأن الأمر بالتطهر لما لم يتعلق بعضو دون عضو ، كان أمرا شاملا لتطهير جميع البدن ، بدليل أن الوضوء لما تعلق بعضو دون عضو نص اللَّه - تعالى - في الآية على تلك الأعضاء التي أوجب غسلها . وإنما حملت الطهارة هنا على الطهارة بالماء لأن الماء هو الأصل كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِه « 1 » ولأنه - سبحانه - قد ذكر بعد هذه الجملة ما يحل محل الماء عند فقده . والتعبير بقوله * ( فَاطَّهَّرُوا ) * فيه إشارة إلى وجوب العناية في تعميم الماء على الجسد كله ، وإيماء إلى أن النجاسة المعنوية قد عمت كل أجزاء الجسم ، فوجب أن تكون الطهارة عامة لكل أجزاء الجسم ولا شك أن الاغتسال بعد الجناية أو الحيض أو النفاس فيه إنعاش الجسم بعد أن أصابه التعب والإنهاك ، وفيه كذلك طهارة نفسية ، لأنه يبعث في الإنسان حسن الاستعداد لذكر اللَّه ، ولأداء تكاليفه . قال الفخر الرازي : والدلك غير واجب في الغسل . وقال مالك : الدلك واجب وحجة غيره أن قوله * ( فَاطَّهَّرُوا ) * أمر بتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك . ثم قال : والشافعي قال : المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل - ومثله في ذلك الإمام مالك . وقال أبو حنيفة - والحنابلة - هما : واجبان لأن الآية تقول * ( فَاطَّهَّرُوا ) * وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم . وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس ، ما عدا الأجزاء الباطنة التي لا يمكن تطهيرها . وداخل الفم والأنف يمكن تطهير هما . فوجب بقاؤهما تحت النص . ولأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « بلوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة » فقوله « بلوا الشعر » يدخل فيه الأنف . لأن داخله شعر . وقوله « وأنقوا البشرة » يدخل فيه الجلدة التي داخل الفم . وحجة الشافعي - ومالك قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا . قد طهرت « وقد قال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ذلك في مجلس جماعة من أصحابه كانوا يتحدثون أمامه في أمر الغسل ، وكل يبين ما يعمله « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الأنفال الآية 11 ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 165 الطبعة البهية .